ظاهرة التسول عند الأطفال…دوافعها وآثارها والمخاطر الناجمة عنها..!!/ بقلم: جاسر صلاح - أخصائي نفسي
كتبهامركز فنون الطفل الفلسطيني ، في 21 أيار 2008 الساعة: 13:08 م

فالتسول ظاهرة إنسانية تفرضها عادة الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد لاحظنا ازدياد هذه الظاهرة في مجتمعنا الفلسطيني في الآونة الأخيرة بعد تردي الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، لا سيما بعد فرض الإغلاق والحصار، وازدياد نسبة البطالة، وبالتالي ازدياد معدل الفقر، حيث أنه أصبح من النادر أو المستحيل أن تجد مكاناً يخلو من المتسولين، سواء كانوا من الأطفال أو الكبار، أو حتى البائعين الذين نجدهم في الأسواق وعلى الطرقات وإشارات المرور وعلى أبواب المساجد وغيرها من الأماكن العامة يستجدون الناس لبيع ما لديهم.
ولا يمكن اختزال هذه الظاهرة فقط في تلك العلاقة المباشرة مع الفقر، وقد يكون التسول عند البعض مهنة يكسب منها المال الكثير من دون مشقة، والبعض الآخر دعته الحاجة لأن يسلك هذا السلوك، ليحصل على ما يسد رمقه وأسرته من لقمة العيش .
وهناك أسباب أخرى لا تقل أهمية عن ذلك، كالتفكك الأسري، وضعف الروابط الاجتماعية على مستوى الأسرة، كغياب أحد الوالدين أو كلاهما معاً، وتسلط بعض الآباء وقسوتهم على الأبناء، وتدني مستوى الوعي، وغياب الإرشاد والتوجيه من الوالدين والمدرسة.
وهناك من المتسولين ما يمارس هذه الظاهرة ليس من منطلق العوز فقط، وإنما لشعوره بالنقص، فحاله كحال البخيل الذي ليس لديه قناعة بما هو متوفر لديه.
ونتيجة للخبرة المتراكمة عند بعض المتسولين، أخذوا يتفننون في هذه المهنة، فبعضهم يجلب معه أطفال صغار، وبعضهم يحمل تقارير طبية له أو لأحد أبناءه، وبعضهم قد يضع إحدى يديه أو ساقيه في الجبس، أو يدعي البلاهة أو الجنون، ومما يثير الانتباه أكثر، وجود بعض النساء المتسولات اللاتي يحملن أطفالاً، فيا ترى ما شأن والد هذا الطفل؟ فالمرأة خلقها الله تعالي لإدارة شؤون بيتها، ورعاية الأسرة والأطفال، وإشاعة الطمأنينة والأمن داخل الأسرة، ولكن أن تتغير الموازين حيث نجد الرجل جالس في البيت، والمرأة تخرج لكسب الرزق بهذه الطريقة المنبوذة، فهذا يتنافى مع الدين والعرف في مجتمعنا.
وهناك بعض المتسولين من المعاقين الذين يبررون تسولهم بأنهم غير قادرين على العمل، كونهم فاقدي أحد أجزاء أجسادهم، بالرغم من وجود حرف وصناعات تليق بذوي العاهات كالمكفوفين وغيرهم، وتتناسب وحالتهم، وتكفيهم هوان السؤال، تعمل بعض المؤسسات في العصر الحديث على تيسيرها لبعضهم.
أطفال الإشارات هل هم ضحايا أم متشردون يجب معاقبتهم ؟
ويمكن التطرق هنا إلى أطفال ألقت بهم الظروف ما بين السيارات والإشارات الضوئية، فأضحوا عرضةً لكل أنواع الأمراض الاجتماعية، ومعرضين للإهانة والاعتداء، يمتهنون التسول المبطن المتستر في أشكال مختلفة، فمنهم من يمسح زجاج السيارات، وآخرون يستعطفون السائقين لإعطائهم بعض النقود، وبعضهم يحمل بعض السلع البسيطة كالبسكويت والعلكة لبيعها، نقابلهم على الإشارات لا يثيرنا منظرهم وقد نقابلهم بامتعاض، وإذا طلب أحدهم المساعدة أو الشراء منه ننفر منه ونشيح بوجوهنا عنه دون شفقة إلا من رحم ربي.
أطفال يهيمون في الشوارع سعيا ً منهم لتأمين قوت يومهم ،و توفير متطلبات أسرهم بطرق مختلفة، حتى لو وضع قانون يعاقبهم على ذلك، قد تكون ظروفهم أقوى و أقسى من العقوبات التي تترتب عليهم .
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في أن هؤلاء الأطفال يعيشون أغلب أوقاتهم بعيدا ً عن الرقابة الأسرية، و عن التوجيه و الإرشاد الذي تقدمه الأسرة و المدرسة، وهذا ما يدفع الغالبية منهم إلى تعلم ثقافة الشارع و القائمة على تمجيد السلوك العدواني، و حب المغامرة و الانحراف و غيرها من السلوكيات غير المقبولة اجتماعيا ً، والتي تكون بالنسبة لهؤلاء أعمال بطولية يتفاخرون بها فيما بينهم، مثل السرقة، و تعاطي المخدرات، و شرب الكحول، و التدخين، فانتشار هذه الظاهرة يخلق جيل يعيش على هامش المجتمع، و يقوم بأعمال مخالفة للقانون تطال المجتمع بأسره، و يدفع المجتمع في وقت لاحق ثمنا ً باهظاً لمعالجة الآثار السلبية الناجمة عن ذلك.
فهذه الظاهرة إن دلت فإنما تدل على وجود خلل اجتماعي، فهي انتهاك لحقوق الطفل، وطريقاً مختصرة لعالم الجريمة والانحراف، واستمرارها يصيب الأجيال بالمرض والوهن، فحياة الإنسان منذ طفولته وحتى مماته، تمر بمجموعة من المراحل النمائية المتعاقبة، والطفولة التي هي مرحلة مبكرة من حياة الإنسان، هي من أكثر المراحل خطورة، حيث أن شخصية الإنسان الراشد تتشكل معالمها الأساسية سلباً أو إيجاباً في مرحلة الطفولة، وبالتالي يجب الإهتمام وتأمين كافة المتطلبات وشروط النمو السليم لها.
وللحد من هذه الظاهرة الاجتماعية ذات الأثر السلبي في المجتمع ومعالجة الآثار المترتبة عليها يجب الآتي:
أولاً: العمل على تحسين الظروف الاجتماعية لأسر الأطفال المتسولين والعاملين من خلال توفير فرص عمل لأولياء الأمور القادرين على العمل، أو تقديم المساعدات المادية الطارئة وضمان رواتب شهرية للعاجزين، ويجدر الإشارة هنا إلى أن القادر على العمل ولا يجد عملاً حكمه كالعاجز جسمانياً “مقعداً”ً لأن القوة الجسدية لا تطعم ولا تغني من جوع ما لم يكن معها إكتساب.
ثانياً: على الجهات القانونية العمل على دراسة هذه الحالة ووضع الحلول المناسبة لها، وكذلك نشر الثقافة وتوجيه إرشادات داخل أوساط المجتمع بهدف تغيير المفاهيم والاتجاهات الاجتماعية السائدة والمتعلقة بالطفل المتسول، والعمل من خلال التركيز على حقوق الطفل واحترام كرامته وحقه في العيش ضمن أسرة طبيعية توفر له الحاجات الأساسية.
برنامج غزة للصحة النفسية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : اخبار الاطفال في فلسطين, اصدقاء الطفولة, اصدقاء جدد, اطفال العراق, اطفال لبنان, المراة والطفل, جاليري الصور 2006, حكايات الاطفال المعذبين, دراسات حول الطفولة, سياسة, صفحات خاصة بالطفولة, صور الطفولة المعذبة, عام, فنون الاطفال, مؤتمرات, مساحة للرأي, معا من اجل الاطفال, مقالات, منوعات, نداءات, همجية الاحتلال نحو الاطفال | السمات:فنون الاطفال, نداءات, همجية الاحتلال نحو الاطفال, مقالات, منوعات, مؤتمرات, مساحة للرأي, معا من اجل الاطفال, المراة والطفل, اخبار الاطفال في فلسطين, اطفال لبنان, اطفال العراق, اصدقاء الطفولة, اصدقاء جدد, جاليري الصور 2006, حكايات الاطفال المعذبين, دراسات حول الطفولة, سياسة, عام, صفحات خاصة بالطفولة, صور الطفولة المعذبة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























